أمـّـــاه ( ياعذبة الروح)

 


فِداكِ روحي إذا لم تَفْدِ أشعارُ
بحرٌ هواكِ وقلبي فيه بحَّارُ

فداكِ روحي وأحشائي وفيضُ دمي
فداكِ قلبٌ بنبض الحبِّ موَّارُ

أمَّاه أمَّاه يا لحنَ الهوى بفمي
يا عذبةَ الرُّوح فيكِ الشِّعرُ يحتارُ

يا أعذبَ اسمٍ تغنَّتْ فيه قافيتي
(أُمِّي) وملءُ ضفاف القلب إكبارُ

لو أبذل الكون في كفَّيك غاليتي
لما وفَى حقَّكم بالكون مِعشارُ

يا مَن تقلَّبتُ في أحشائها زمنًا
أخوضُ تثقلني بالخلقِ أطوارُ

أفديكِ يا صرخةً من صدرها انطلقتْ
يومَ المخاضِ بواه الجسم تنهارُ

يا مُقلةً سهرتْ .. يا دمعةً سُكِبَتْ
يا أنَّةً جَمُدَت من حَرِّها النارُ

أفديكِ يا شمعةً تبكي ذوائبها
فتُشْعِلُ الدَّربَ للسَّارين أنوارُ

أفديكِ أمَّاه يا نبض الهوى بدمي
إن كنتِ لؤلؤةً فالقلبُ محَّارُ

يا مَن سَهِرْتِ لترعَيْ أنَّتي وعلى
أجفانك الدمعُ بالآمال موّارُ

إذا مرضتُ سهرتِ الليلَ باسطةً
كفَّ الدعاءِ ودمعُ العينِ مدرارُ

تُكَفْكِفِينَ دُموعًا لا تكفكفها
كفٌّ ولم يكفها بالكفِّ صبارُ

ما زال همسُ صداك العذب يحملني
وفي جناحيه تهذيبٌ وتذكارُ

مُذ كنتُ طفلاً بألعابي أداعبكم
حتَّى توالت كومض البرق أعمارُ

تعاتبين بلى تضفين بلسمَكم
إذا تغشَّتْ صفاءَ السَّمت أكدارُ

ربَّاهُ لا تحرمَنِّي حسنَ طلعتها
ما لي إذا فُقدت عيناي إبصارُ!!

أمَّاه أمَّاه لي في كلِّ زاويةٍ
من دارنا بسمةٌ تحلو بها الدارُ

أشتاقُ كلَّ مكانٍ كنتُ أجلسُه
مَعْكُم فيحرقني بالشوق تذكارُ

أشتاقُ تسبيحَكم للهِ منسكبًا
كالشهدِ يحدوه ترتيلٌ وأذكارُ

محرابُكم ليلُكم تسبيحُكم لغةٌ
من فيضها يهتدي للنور محتارُ

علَّمْتِني أنْ أرى دنياي محتقرًا
إذا أُقيمَ لها في الناس إكبارُ

عَلَّمْتِني أنَّها بحرٌ نصارعه
والبحرُ مهما توالَى الدهر غدَّارُ

عَلَّمْتِني العزَّ في عصرٍ أُهينَ به
على التزلُّف ساداتٌ وأحبارُ

عَلَّمْتِني خالص التَّعليم في زمنٍ
تلوثَتْ فيه بالتعليم أفكارُ

أَكْرِمْ بأميَّةٍ طابت مناهلها
في عصر علمٍ تغشَّى جلَّهُ العارُ

لم تقرئي كُتُبًا لم تُمسكي قلمًا
لكنَّ تهذيبَكم كالبحر زخَّارُ

لو كانت (الدَّالُ) بين الناس واحدةً
وخُيِّرَتْ ما أتَتْ إلاَّكِ تختارُ!!!

أمَّاه يا بسمةَ الدنيا وزينتَها
مشاعري من شموخِ الحُبِّ تنهارُ

أمَّاه يا مسكَ هذا الكونِ قاطبةً
يا دُرَّةً ضمَّها بالطُّهرِ محّارُ

يا أجملَ الكونِ مَن ناداكِ (جَوْهَرَةً)
عذب النداء بذاك الحسن يحتارُ

أكادُ أُقسمُ أنَّ البدرَ يحسدُكم
يخشَى إذا بِنْتِ أن يجفوه سُمَّارُ

ولو جُعِلْتِ مكانَ البَدْرِ قائمةً
لما عدتكِ مَلاكَ الحسنِ أبصارُ!!

لا عيبَ في حسنكم إلا مكارمُكم
طهرُ الشمائلِ فوقَ الحسنِ أستارُ!!

أمَّاه لي في هواكم ما ينازعني
قلبي ولي بالهوى سبقٌ وإصرارُ

أنتِ المليكُ لكم عرشٌ ومملكةٌ
بساح قلبي وتيجانٌ وأسرارُ

أنتِ السواد بعيني أنتِ دفء دمي
أنت الهوى لقِفارِ القلب أمطارُ

أنتِ النَّدى رقَّةً أنتِ [الشَّذا] عَبَقًا
أنتِ الحنانُ بنبعِ الحبِّ أنهارُ

أوصانيَ اللهُ يا أمَّاه بِرَّكُمُ
وأَحْكَمَتْ عُنُقي بالحقِّ آثارُ

(ولا تَقُل لهما أُفٍّ) أأنطقُها
ويلي إذَنْ ويلَ خزيٍ بَعْدَهُ النَّارُ

أمَّاه فضلُكِ بحرٌ لا تحيطُ به
من فيضِ قلبي ترانيمٌ وأشعارُ

رضاكِ عنِّي مُنَى نفسي وغايتُها
واللهُ -إن تغفري يا أمّ- غفَّارُ

لا قاعَ في بحركم يا أمّ نبلغُه
فليسترحْ برضاكم عنه بحَّارُ

كتبه : د. محمد بن عبد الرحمن المقرن